فصل: تفسير الآيات (1- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (10- 30):

{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)}
{وَقَالُواْ} وهم في النّار {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} النذر من الرُسُل، وما جاؤونا به {أَوْ نَعْقِلُ} عنهم. قال إبن عباس: لو كنّا نسمع الهدى أو نعقله فنعلم به.
{مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير} {فاعترفوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً} بعداً، وقال سعيد بن جبير: هو وادٍ في جهنم {لأَصْحَابِ السعير} ونقله أَبُو جعفر والكسائي بروايتيه الدوري وقتيبة الخلاف عنهما، وحققه الآخرون: وهما لغتان مثل الرُّعب والرَّعب، السُّحت والسَّحت، أخبرنا عبد اللّه ابن حامد، أخبرنا محمد بن خالد حدّثنا داود بن سليمان، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عبيد الله ابن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إنّ الرجل ليجرّ إلى النار فتنزوي، وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالكِ؟ قالت: إنّه كان يستجير منّي فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليُجرّ إلى النار، فيقول: يا ربّ ما كان هذا الظنّ بك قال: فما كان ظنّك؟ قال: كان ظنّي أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليُجرّ إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغلة إلى الشعير، ثمّ تزفر زفرة لا يبقى أحدٌ إلاّ خاف.
{إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير}.
قال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبرائيل ما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد. وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت (من) في قوله: {مَنْ خَلَقَ} اسماً للخالق؟ فقلت: ألا يعلم الخالق ما في الصدور وهو اللطيف الخبير، وإن شئت جعلته اسماً، فقلت: ألا يعلم الله مخلوقه.
أخبرنا الفنجوي حدّثنا موسى بن الحسن بن علويّة حدّثنا عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن المسيّب، قال: بينا رجل واقف بالليل في شجر كثير وقصفت الريح فوقع في نفس الرجل فقال: أترى الله يعلم ما يسقط من هذه الورق؟ فنودي من خلفه: ألا يعلم مَنْ خلق وهو اللطيف الخبير؟ وروى محمد بن فضيل عن زرين عن ابن أبي أسماء أنّ رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت هاهنا للمعصية مَنْ كان يراني؟ قال: فسمع صوتاً ملأ ما بين لا يتي الغيضة، ألا يعلم مَنْ خلق وهو اللطيف الخبير؟!
{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً} سهلا مُسخّرة لا تمتنع {فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا} قال ابن عباس وقتادة: في جبالها، ضحاك: في آكامها، مجاهد: طرقها وفجاجها، وقال الكلبي: أطرافها، الفرّاء: في جوانبها، مقاتل: نواحيها، الحسن: سهلها حيث أردتم فقد جعلها لكم ذلولا لا تمتنع، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل، والريح النكاب، وتنكب فلان.
{وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} الحلال {وَإِلَيْهِ النشور} {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء} وقال ابن عباس: أمنتم عذاب مَنْ في السماء أن عصيتموه. وقيل: معنى {أَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء}: قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته، وقيل: إنّما قال: {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء} لأنّهم كانوا يعترفون بأنّه إله السماء، ويزعمون إنّ الأصنام آلهة الأرض، وكانوا يدعون الله من جهة السماء، وينتظرون نزول أمره بالرحمة والسطوة منها.
وقال المحقّقون: معنى قوله: {فِي السمآء} أي فوق السماء كقوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي الأرض} [التوبة: 2]، أي فوقها لا بالمماسة والتحيز ولكن بالقهر والتدبير.
وقيل: معناه على السماء كقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ} [طه: 71] ومعناه: إنّه مالكها ومدبّرها والقائم عليها، كما يقال: فلان على العراق والحجاز، وفلان على خراسان وسجستان يعنون أنّه واليها وأميرها.
وأعلم أنّ الآيات والأخبار الصحاح في هذا الباب كثيرة وكلّها إلى العلو مشيرة، ولا يدفعها إلاّ ملحد جاحد أو جاهل معاند، والمراد بها والله أعلم توقيره وتعظيمه وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة دون أن يكون موصوفاً بالأماكن والجهات والحدود والحالات؛ لأنّها صفات الأجسام وأمارات الحدث والله سبحانه وتعالى كان ولا مكان فخلق الأمكنة غير محتاج إليها، وهو على ما لا يزل، ألا يرى أنّ الناس يرفعون أيديهم في حال الدعاء إلى السماء مع إحاطة علمه وقدرته ومملكته بالأرض وغيرها أحاطتها بالسماء، إلاّ أنّ السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحلّ القدس ومعدن المطهرين المقرّبين من ملائكته، وإليها تُرفع أعمال عباده وفوقها عرشه وجنّته وبالله التوفيق.
{أَن يَخْسِفَ} يغور {بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} قال الحسن: تُحرّك بأهلها، وقال الضحّاك: تدور بهم وهم في قعرها، وقال ابن كيسان: تهوى بهم.
{أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} ريحاً ذات حجارة كما فعل بقوم لوط وأصحاب الفيل {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي إنذاري بالعذاب.
{وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} إنكاري، وأثبت بعض القرّاء الياء في هذه الحروف وجوابها على الأصل وحذفها بعضهم على الخط.
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ} {صَافَّاتٍ} أجنحتها وهي تطير، {وَيَقْبِضْنَ} أجنحتها بعد انبساطها، {مَا يُمْسِكُهُنَّ} يحبسهنّ في حال القبض والبسط أن يسقطن، {إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}.
{أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} قال ابن عباس: منعه لكم {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن} فيدفع عنكم ما أراد بكم {إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ} {أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ} في الضلال {وَنُفُورٍ} تباعد من الحقّ {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ} راكباً رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يُبصر يميناً ولا شمالا، وهو الكافر.
وقال قتادة: هو الكافر أكبّ على معاصي الله في الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه، {أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو المؤمن، وقوله: {مُكِبّاً على وَجْهِهِ} فعل غريب لأنّ أكثر اللغة في التعدّي واللزوم أن يكون أفعلت يفعّل، وهذا على ضدّه يقال: كببت فلاناً على وجهه فأكب، قال الله تعالى: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار} [النمل: 90]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم».
ونظيره في الكلام قولهم: قشعت الريح السحاب فأقشعت، وبشرته بمولود فأبشر، وقيل مكبّاً لأنه فعل غير واقع، قال الأعشى:
مكبّاً على روقيه يُحفّز عرفه ** على ظهر عُريان الطريقة أهيما

{قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ} ويعني العذاب في الآخرة عن أكثر المفسّرين، وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر، {زُلْفَةً} قريباً، وهو اسم بوصف مصدر يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والواحد والاثنان والجميع {سِيئَتْ} أُخزيت {وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} فاسودّت وعلتها الكآبة والغربة يقول العرف: سويه فسيء، ونظيره سررته فسر وشعلته فشعل {وَقِيلَ} قال لهم الخزنة: {هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} أي أن يعجّله لكم.
وقراءة العامّة: {تدّعون} بتشديد الدال يفتعلون من الدعاء عن أكثر العلماء أي يتمنّون ويتسلّون، وقال الحسن: معناه يدّعون أن لا جنّة ولا نار، وقرأ الضحاك وقتادة ويعقوب بتخفيف الدال، أي تدعون الله أن يأتكم به وهو قوله: {وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ} [الأنفال: 32] الآية.
{قُلْ} يا محمد لمشركي مكّة الذين يتمنّون هلاكك ويتربّصون بك ريب المنون {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله} فأماتني {وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} أبقانا وأخّر في آجالنا {فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فإنّه واقع بهم لا محالة، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ومحمد بن الحسن.
وقال بعضهم: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله} فعذّبني {ومَنْ معي أو رحمنا} غفر لنا {فمن يُجير الكافرين من عذاب أليم} ونحن معاً إنّما خائفون من عذابه؛ لأنّ له أن يأخذنا بذنوبنا ويعاقبنا ويهلكنا؛ لأنّ حكمه جائز وأمره نافذ وفعله واقع في ملكه، فنحن مع إيماننا خائفون من عذابه فمن يمنعكم من عذاب الله وأنتم كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس واختيار عبد العزيز ابن يحيى وابن كيسان.
{قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ} بالياء الكسائي ورواه عن عليّ رضي الله عنه، الباقون بالتاء، {مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} نحن أم أنتم {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} يعني غائراً ذاهباً ناضباً في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء، قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم وبئر ميمون الحضرمي وهي بئر عادية قديمة.
{فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} ظاهر تناله الأيدي والدلاء، وقال عطاء عن ابن عباس: جار، وقال المؤرخ: عذب بلغة قريش.

.سورة القلم:

مكّية، وهي اثنان وخمسون آية، وثلاث مائة كلمة، وألف ومائتان وستّة وخمسون حرفاً.
أخبرنا محمد بن القيّم أخبرنا محمد بن طه حدّثنا إبراهيم بن شريك حدّثنا أحمد بن عبد الله حدّثنا سلام بن سليم حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن ابنه عن أبي أمامة بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ سورة نون والقلم أعطاه الله تعالى ثواب الذين حسّن الله أخلاقهم».
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 4):

{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}
{ن} اختلف القراء فيه، فأظهر بعضهم نونه، وأخفاها الآخرون، وقرأ ابن عباس {ن} بكسر النون على إضمار حرف القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعّل، واختلف المفسّرون في معناه، فقال مجاهد ومقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي والكلبي: هو الحوت الذي يحمل الأرض، وهي رواية أبي طيسان عن ابن عباس قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثمّ رفع فخلق الماء فخلق منه السماوات، ثمّ خلق النون فبسط الأرض على ظهر النون، فتحرّكت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنّ الجبال لتفخر على الأرض، ثمّ قرأ ابن عباس: {ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ} واختلفوا في اسمه:
فقال الكلبي ومقاتل: يهموت، وقال أبو اليقظان والواقدي وأبو كعب: لوسا، وقال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: يلهوت، وقال الراجز:
ما لي أراكم كلكم سكوتاً ** والله ربي خالق اليلهوتا

قالت الرواة: لمّا خلق الله تعالى الأرض وفتقها بعث الله سبحانه من تحت العرش ملكاً، فهبط إلى الأرض حتّى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها ولم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثوراً له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقر قدماه، فاحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها مسيرة خمس مائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كلّ يوم نفساً فإذا تنفس مد البحر، وإذا مدّ نفسه جزر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لأبنه: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} الآية [لقمان: 16]، فلم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نوناً وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وبسائر جانبه، والحوت على البحر على متن الريح، والريح على القدرة وثقل الدنيا كلّها بما عليها حرفان من كتاب الله تعالى قال لها الجبّار: كوني، فكانت.
وقال كعب الأحبار: إنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلّها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يالوتيا من الأمم والدواب والشجر والجبال وغيرها لو نفضتهم ألقيتهم من ظهرك أجمع، قال: فهمّ لوتيا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابّة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فضج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن لها فخرجت، قال كعب: والذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت.
وقال بعضهم: هي آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: ألر وحم ونون، حروف الرحمن تبارك وتعالى مقطعة.
وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون: الدواة، وهي رواية ثابت اليماني عن ابن عباس، وقال فيه الشاعر:
إذا ما الشوق يرح بي إليهم ** ألقت النون بالدمع السجوم

وقال معاوية بن قرة: هو لوح من نور، ورفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به، ابن كيسان: فاتحة السورة، عطاء: افتتاح اسمه نور وناصر ونصير القرظي: أقسم الله تعالى بنصرته المؤمنين بيانه قوله: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين} [الروم: 47]، جعفر الصادق: هو نهر في الجنّة.
{والقلم} وهو الذي كتب به الذكر، وهو قلم من نور ما بين السماء والأرض ويقال: لمّا خلق الله تعالى القلم وهو أوّل ما خلقه نظر إليه فانشقّ نصفين، ثمّ قال: اجرِ، فقال: يا ربّ بم أجري، فقال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك.
قال عطا: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت، كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أي بني اتقِ الله واعلم أنّك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ فقال: اكتب العلم وقال: فجرى القلم في تلك الساعة وما هو كائن إلى الأبد».
وحكي أنّ ابن الزيّات دخل على بعض الخلفاء فوجده مغموماً، وقال له: روّح عني يابن الزيّات، فأنشأ يقول:
اللهم فضل والقضاء غالب ** وكان الخطّ في اللوح

انتظر الروح وأسبابه ** أيئس ما كنت في الروح

وهل أراد بالقلم الخطّ والكتابة الذي امننّ الله تعالى على عباده بتعليمه إياهم؟ ذلك كما قال: {عَلَّمَ بالقلم} [العلق: 4].
وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه فلم أُراد إخلال هذا الكتاب عن تدبر فصوصه؟
فقال ابن هيثم: من جلالة القلم أنّه لم يكتب لله تعالى كتاب إلاّ به لذلك أقسم الله تعالى به. وقيل: الأقلام مطايا الفطن ورسل الكرام.
وقيل: القلم الظِلم الأكبر. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان وبيان بنان، وفضل بيان البنان أنّ ما تثبته الأقلام باق على الأَيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام.
وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم وفيه يقول شاعرهم:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ** له الرقاب ودانت دون حذره الأمم

فالموت والموت لا شيء يغالبه ** ما زال يتبع ما يجرى به القلم

كذا قضى الله للأقلام مذ بُرئت ** إن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وللصنوبري:
قلم من القصب الضعيف الأجوف ** أمضى من الرمح الطويل الأثيف

ومن النصال إذا بدت لقيتها ** ومن المهنّد للصقال المرهفِ

وأشدّ إقداماً من الليث الذي ** يكوي القلوب إذا بدا في الموقف

أنشد أبو القيّم السدوني، قال: أنشدني عبد السميع الهاشمي، قال: أنشدني ابن صفون لأبي تمّام في معناه:
ولضربة من كاتب في بيانه ** أمضى وأبلغ من رقيق حُسام

قوم إذا عزموا عداوة حاسد ** سفكوا الدماء بأسنّة الأقلام

وللبحتري:
قوم إذا أجدوا الأقلام عن غضب ** ثمّ استمدّوا بها ماء المنيّاتِ

نالوا بها من أعاديهم وأن كثروا ** ما لا ينالوا على المشرفيات

وقال آخر:
ما السيف غضباً يضيء رونقه ** أمضى على النائبات من قلمه

ولأبن الرومي:
في كفّه قلم ناهيك من قلم ** نبلاً وناهيك من كفّ به اتّشحا

يمحو ويُثبت أرزاق العباد به ** فما المقادير إلاّ ما وحى ومحا

قال: وأنشد بعضهم في وصفه:
وأخرس ينطق بالمحكمات ** وجثمانه صامت أجوف

كلّه ينطق في جفنه ** وبالثام منطقه يُعرف

والآخر في وصفه:
نحف الشوى بعد ما على أم رأسه ** ويحفى ويقوى عدوه حين يقطع

لجّ ظلاماً في نهار لسانه ** ويُفهم عمّن قال ما ليس يسمع

اخذه وما شجرات نابتات بفقره ** إذا قطعت حارت مطايا الأصابع

لهن بكاء العاشقين ولونهم ** سوى أيّها يبكن سود المدامع

آخر:
هذا هو البيت الأول للبيتين التاليين.
يناط نحدّه الأفراد طرّاً ** يمحي بعض خلق أو ممات

بمشيه حيّة وبلون جان ** وجرم متيم وشيما الطيبات

قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} يكتبون، ويجوز أن يكون معناه ويسطرهم يعني السفرة. وقيل: جمع الكتبة {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} يعني أنّك لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله عليك بالنبوّة. وقيل: بعصمة ربّك.
وقيل: هو كما يُقال: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربّك كقولهم: سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أي والحمد لك. وقال لبيد:
وأُفردت في الدنيا بفقد عشيرتي ** وفارقني جار بأربد نافع

أي: وهو أربد.
وقال النابغة:
لم يحرموا حسن الغداء وأمّهم ** طفحت عليك بناتق مذكار

أي: وهو ناتق.
{وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مقطوع ولا منقوص من قولهم: حبل منين إذا كان غير متين.
{وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم، وقال الحسن: كان خلقه آداب القرآن، ونقلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها فقالت: كان خلقه القرآن. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، وقال جنيد: سمي خلقه عظيماً لأنّه لم يكن له همّة سوى الله.
وقال الواسطي: لأنّه جاد بالكونين عوضاً عن الحقّ. وقيل: لأنّه عاشرهم بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وأوصى بعض الحكماء رجلا فقال: عليك بالحقّ مع الخلق والصدق مع الحقّ. وقيل: لأنّه امتثل بالدنيا لله تعالى إياه بقوله: {خُذِ العفو} [الأعراف: 199] الآية. وقيل: عظم لَه خُلقه حيث صغّر الألوان في عينه ليعرف لهذه مكونها.
وقيل: سمّي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه تدلّ عليه ما أخبرنا أبو القيّم الحسن ابن محمد المفسّر، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار، حدّثنا ابن أبي الرما حدّثنا الدراوردي، عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعثت لأتُمّم مكارم الأخلاق».
وقال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي».
أخبرنا أبو عمر وأحمد بن أبي الفرابي جد أبو العباس الأصم، حدّثنا ابن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب، وأخبرنا الليث عن عمر بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار».
قال: وأخبرنا أحمد بن أبي الفرابي، أخبرنا منصور بن محمد السرخسي، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة عن القاسم وأبي قرة قال: سمعت عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما شيء أثقل في الميزان من خُلق حسن».
أخبرنا أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد ابن جعفر العماني، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثني أبي، حدّثنا عليّ بن موسى الرضا حدّثنا أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب رضي اله عنه قال: قال رسول الله: «عليكم بحسن الخُلق فإنّ حُسن الخُلق في الجنّة لا محالة، وإياكم وسوء الخُلق فإنّ سوء الخُلق في النار لا محالة».
أخبرنا ابن فنجويّه حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شِنبه، حدّثنا سمعان عن ابن الجارود حدّثنا صالح عن سعيد بن جبير عن أبي عثمان اليهري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبّكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويُؤلفون، وأبغضكم إلى الله المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأخوان الملتمسون للبراء العنت».